سيد محمد طنطاوي

114

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والخلاصة أن الكتابة في قوله - تعالى - * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * : إما أن تكون تكليفية على معنى : أن اللَّه - تعالى - كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة . وإما أن تكون كتابة قدرية . أي : قضى وقدر - سبحانه - أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم . وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا ، بل كفروا وعصوا فحرمها - سبحانه - عليهم . وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم ، بدليل قوله - تعالى - * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل . وللإجابة عن المسألة الثانية نقول : اقتضت حكمة اللَّه - تعالى - أن يجعل عقوبته لقوم مناسبة لما اجترحوا من ذنوب وآثام وبنو إسرائيل لطول ما ألفوا من ذل واستعباد ، هانت عليهم نعمة الحرية . وضعف عندهم الشعور بالعزة . وأصبحت حياة الذلة مع القعود . أحب إليهم من حياة العزة مع الجهاد ولهذا عندما أمرهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدسة اعتذروا بشتى المعاذير الواهية وأكدوا له عدم اقترابهم منها ما دام الجبارون فيها : وقالوا : * ( إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * . فاقتضت حكمة اللَّه - تعالى - أن يحرمهم منها جزاء جبنهم وعصيانهم وأن يعاقبهم بما يشبه القعود ، بأن يحكم عليهم بالتيهان في بقعة محدودة من الأرض ، يذهبون فيها ويجيئون وهم حيارى لا يعرفون لهم مقرا وأن يستمروا على تلك الحالة أربعين سنة حتى ينشأ من بينهم جيل آخر سوى ذلك الجيل الذي استمرأ الذل والهوان . قال ابن خلدون في مقدمته . . ويظهر من مساق قوله - تعالى - * ( قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ) * ومن مفهومه : أن حكمة ذلك التيه مقصودة ، وهي فناء الأجيال الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ، وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة . فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر . فسبحان الحكيم العليم » « 1 » . هذا ولصاحب المنار كلام حسن في حكمة هذه العقوبة ، نرى من المناسب إثباته هنا ، فقد قال - رحمه اللَّه - في ختام تفسيره لهذه الآيات : « إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد ، والإحساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد

--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون . نقلا عن تفسير القاسمي ج 6 ص 1942